المحقق البحراني
169
الكشكول
الفصل الأول في الملاحن : وقد ألف في ذلك ابن دريد تأليفا لطيفا ، وقد كانت العرب تتعمد ذلك وتقصده إذا أرادت التورية . قال الغالي في أماليه : قرأت على أبي عمر المطرز قال : حدثنا أحمد بن يحيى ان ابن الأعرابي قال : أسر طيّ رجلا شابا من العرب فقدم أبوه وعمه ليفدياه فاشترطوا عليهما في الغداة فاعطيا عطية لم يرضوها ، فقال أبوه : لا والذي جعل الفرقدان يمسيان ويصبحان على جبل طي لأزيدكم على ما أعطيتكم ثم انصرفا ، فقال الأب للعم : لقد ألقيت إلى ابني كلمة لئن كان فيه خير لينجون ، فما لبث أن نجا فاطرد قطعة من إبلهم ، فكان أباه قال له : الزم الفرقدين على جبل طي فإنهما طالعان عليه وهما لا يغيبان عنه . قال ابن دريد في كتاب الملاحن : وسميناه الملاحن واشتققنا هذا الاسم من اللغة العربية الفصيحة التي لا يشوبها اللكدة ولا يستولي عليها التكلف لأن اللحن عند العرب الفطنة ، ومنه قول النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لعل أحدكم ألحن بحجته » أي أفطن لها وأعرض عليها ، وذلك أنّ اللحن أن تريد شيئا فتوري عنه بقول آخر ، كقول العنبري أسيرا كان في بكر بن وائل حين سألهم رسولا إلى قومه فقالوا : لا ترسل إلا بحضرتنا ، لأنهم كانوا أزمعوا غزو قومه فخافوا أن ينذرهم ، فجيء بعبد أسود فقال : أبلغ قومي التحية وقل لهم ليكرموا فلانا - يعني أسيرا كان في أيديهم من بكر - فإن قومهم لي مكرمون وقل لهم : ان العرفج قد أدبى وقد شكت النساء وأمرهم أن يعروا ناقتي الحمراء فقد أطالوا ركوبها وان يركبوا جملي الأصهب بآية ما أكلت معكم حيسا واسألوا الحارث عن خبري ، فلما أدى العبد الرسالة قالوا : لقد جن العنبري وانهد ما نعرف له ناقة حمراء ولا جملا أصهب ، ثم سرحوا العبد ودعوا الحارث فقصوا عليه القصة فقال : لقد أنذركم ، أما قوله أدبى العرفج يريد أن الرجال قد استلاموا ولبسوا السلاح ، وقوله شكت النساء أي اتخذت الشكاء للسفر ، وقوله الناقة الحمراء أي ارتحلوا عن الدهناء واركبوا الصماء وهو الجمل الأصهب ، وقوله أكلت معكم حيسا يريد أن أخلاطا من الناس قد غررنا لأن الحيس يجمع التمر والسمن والأقط ، فامتثلوا ما قال وعرفوا لحن كلامه . واخذ هذا المعنى أيضا رجل كان أسيرا في بني تميم فكتب إلى قومه شعرا : حلوا عن الناقة الحمراء رحلكم * والبازل الأصهب المعقول فاصطنعوا إن الذباب قد اخضرت براثنها * والناس كلهم بكرا إذا اشبعوا يريد الناس إذا اخصبوا أعداؤكم كبكر بن وائل .